سيد قطب
2548
في ظلال القرآن
« الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً . . . » والوصف بالعبودية في هذه المواضع له دلالته على رفعة هذا المقام ، وأنه أرفع ما يرتفع إليه بشر من بني الإنسان . كما أن فيه تذكيرا خفيا بأن مقام البشرية حين يبلغ مداه لا يزيد على أن يكون مقام العبودية للّه . ويبقى مقام الألوهية متفردا بالجلالة . متجردا من كل شبهة شرك أو مشابهة . ذلك أن مثل مقام الإسراء والمعراج ، أو مقام الدعاء والمناجاة ، أو مقام الوحي والتلقّي ، كان مزلة لبعض أتباع الرسل من قبل ، منها نشأت أساطير النبوة للّه ، أو الصلة القائمة على غير الألوهية والعبودية . ومن ثم يحرص القرآن على توكيد صفة العبودية في هذا المقام ، بوصفها أعلى أفق يرتفع إليه المختارون من بني الإنسان . ويرسم الغاية من تنزيل الفرقان على عبده . . « لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً » . . وهذا النص مكي ، وله دلالته على إثبات عالمية هذه الرسالة منذ أيامها الأولى . لا كما يدعي بعض « المؤرخين » غير المسلمين ، أن الدعوة الإسلامية نشأت محلية ، ثم طمحت بعد اتساع رقعة الفتوح أن تكون عالمية . فهي منذ نشأتها رسالة للعالمين . طبيعتها طبيعة عالمية شاملة ، ووسائلها وسائل إنسانية كاملة ؛ وغايتها نقل هذه البشرية كلها من عهد إلى عهد ، ومن نهج إلى نهج . عن طريق هذا الفرقان الذي نزله اللّه على عبده ليكون للعالمين نذيرا ، فهي عالمية للعالمين والرسول يواجه في مكة بالتكذيب والمقاومة والجحود . . تبارك الذي نزل الفرقان على عبده . . « الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » . . ومرة أخرى لا يذكر لفظ الجلالة ولكن يذكر الاسم الموصول لإبراز صلته الدالة على صفات يراد توكيدها في هذا المقام : « الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » . . فله السيطرة المطلقة على السماوات والأرض . سيطرة الملكية والاستعلاء ، وسيطرة التصريف والتدبير ، وسيطرة التبديل والتغيير . « وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً » . . فالتناسل ناموس من النواميس التي خلقها اللّه لامتداد الحياة ؛ وهو سبحانه باق لا يفنى ، قادر لا يحتاج . « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ » . . وكل ما في السماوات والأرض شاهد على وحدة التصميم ، ووحدة الناموس ، ووحدة التصريف . « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » . قدر حجمة وشكله . وقدر وظيفته وعمله . وقدر زمانه ومكانه . وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير . وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه ، لما يدعو إلى الدهشة حقا ، وينفي فكرة المصادفة نفيا باتا . ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره ، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير . وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » . . يقول ( أ . كريسي موريسون ) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان : « الإنسان لا يقوم وحده « 1 » » .
--> ( 1 ) ترجمة محمود صالح الفلكي بعنوان : « العلم يدعو إلى الإيمان » .